المبادرة الايجابية2

الجسم السليم فى فكروتفكيرو قول وسلوك ...الايجابى

القريب"من اسماء الله الحسنى "

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

 أيها الأخوة الكرام مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى وهو اسم القريب.

وقد ورد اسم الله القريب في القرآن الكريم مطلقًا منونًا مرادًا به العلانية دالاً على كمال الوصفية، ومقترنًا باسم الله المجيب.

كما في قوله تعالى: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)(هود: من الآية61)

وفي قوله تعالى:(قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) (سـبأ:50)،

ورد هذا الاسم أيضًا مفردًا في قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)(البقرة: من الآية186)..

هذا الاسم له قرب من الإنسان شديد، بمعنى أنك إذا أنت علمت أن الله معك لن تستطيع أن تعصيه، بل حينما تشعر أن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة لا يمكن أن تتجاوز أمره  (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوافعلّة خلق السماوات والأرض أن تعلموا (أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)(الطلاق: الآية12)

حينما توقن أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، وأن قرب الله قرب علم، وأن قرب الله قرب قدرة، أنت في قبضته، وعلمه يطولك، وقدرتك تطولك، فكيف تعصيه؟ حتى إنه قد قيل: أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)(الحديد: من الآية4)

وهو مع المؤمنين بالحفظ، والتأييد، والنصر، التوفيق، فلذلك أيها الإخوة، ورد في مرتبة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الاسراء:78)

(فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ{216} وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ{217} الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ{218} وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ{219} إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{220}) (سورة الشعراء)

أحيانًا يكون الإنسان قريبًا منك، يلازمك هو كظلك، لا يفارقك، مهما يكن محبوبًا تضجر من قربه، تقول: دعني وشأني، أيّ إنسان إذا لازمك ورافقك لا تحتمل قربه، تحتاج من حين لآخر إلى أن تنفرد بنفسك، ومع أن الله معنا في كل وقت، وفي كل حين، وفي كل شأن: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)(الحديد: الآية4) لكن معية لطيفة لا تشعر بثقل وجوده، بل تشعر براحة وجوده.

 فلذلك أعلى درجة من الإيمان أن تشعر أن الله معك، وأكبر ضمانة للاستقامة أن تشعر أن الله معك، وأكبر باعث للخشية أن تشعر أن الله معك، وأكبر مُطمئِنٍ لك أن تشعر أن الله معك.

(قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)(الشعراء: من الآية61)

بالموازين الأرضية ما في أمل، فرعون بقوته، بجيشه، بطغيانه، بحقده، بجبروته، يتابع نبيًا مع شرذمة قليلين من بني إسرائيل، إلى أن وصلوا إلى البحر، وانتهى الأمر، بالموازين الأرضية ما في أمل في النجاة أبدًا.

(قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:62)

معية الله للمؤمنين معية النصر، معية التوفيق، معية التأييد، معية الحفظ، ومعية الله لأي إنسان كائنًا من كان، حتى ولو كان ملحدًا فهو معه معية العلم: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)

إما أن تكون المعية معية علم لكل خلقه، وإما أن تكون المعية معية توفيق، وحفظ، وتأييد  ونصر.

إلا أن المعية الخاصة لها ثمن، ما في شيء بلا ثمن.

(وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً)(المائدة: من الآية12)

إذًا معية الله ـ عز وجل ـ لها ثمن، وأعلى درجة الإيمان أن تشعر أن الله معك، قريب منك، هو أقرب إليك من حبل الوريد، قال بعض العلماء: أقرب إليك من روحك.

أمسك قطعة كهربائية، وضمها إلى صدرك، وضمها ضمًا شديدًا، مهما تكن قريبًا منها، ومهما تكن قريبة منك، مهما شددت عليها، الذي أقرب إليها منك القوة الكهربائية التي تحركها، لكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ، ولله المثل الأعلى أقرب إليك من القوة التي تمدك بالحياة.

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(قّ: الآية16)

فهو معنا، يطلع علينا، يطلع على خواطرنا، على نوايانا، يطلع علينا، إذا تكلمنا فهو يسمعنا، يطلع علينا فهو يرانا، يطلع على قلوبنا إذا أضمرنا، لا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عنه خافية، هذا الإيمان إلى أن نصل إليه نكون قد حققنا تسعة أعشار الطريق إلى الله، أن الله قريب:

(فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ{213} وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ{214} وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{215} فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ{216} وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ{217} الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ{218} وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ{219} إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{220}) (سورة الشعراء)  

أيها الإخوة، للتقريب: إن الإنسان لو زاره رجل من علية القوم، من وجهاء الحي، من أقرب الناس إليه، في الأعم الأغلب يرتدي ثيابا جميلة، في الأعم الأغلب يجلس جلسة مؤدبة، في الأعم الأغلب ينتقي كلمات دقيقة، في الأعم الأغلب يتجمل أمامه، فإذا كان هذا حالنا مع كبراء القوم، هذا مع علية القوم، فكيف حال المؤمن مع خالق السماوات والأرض؟.

الحقيقة أن الخشوع يحتاج إلى إحساس بالقرب، ودائمًا وأبدًا يشعر المؤمن أن الله معه، فهو أولًا في طمأنينة، وثانيًا في مراقبة.

الأعرابي الذي سأل النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ{7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ{8}) (سورة الزلزلة)

قال هذا الأعرابي: كُفيت، فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: فَقُه الرجل. لم يقل فَقِه قال فَقُه، يعني أصبح فقيهًا، يعني آية واحدة كفته.

صدقوا أيها الإخوة، أن هناك آيات لا تعد ولا تحصى، الواحدة منها تكفي.

(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)(النساء: الآية1) (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) (الحديد: من الآية4)

وهو قريب منكم (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)(البقرة: الآية186)

أحيانًا تدعو الله بقلبك، ولا تحرك شفتيك، ولا تنطق بكلمة.

حدثني رجل، قال لي: والله انتهيت من أداء خدمتي الإلزامية، ولا أملك من الدنيا شيئًا، أعطتني أختي سوارا من الذهب، فبعتها، واشتريت بها بطاقة إلى بلاد الخليج، وأنا راكب في الطائرة أضمرت في قلبي أن إذا أكرمني الله ـ عز وجل ـ سأبني له مسجدًا في بلدتي، قال لي: والله ما حركت شفتاي بهذا الكلام، وبعد أعوام مديدة أكرمه الله وأنشأ هذا المسجد، وصليت في المسجد، وحدثني عن قصته، لذلك الله ـ عز وجل ـ من قربه مطلع على خواطرك، يمكن أن تدعوه بقلبك، (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً) (مريم:3)(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي)(البقرة: الآية186) الدعاء سلاح المؤمن، وأنت بالدعاء أقوى إنسان، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله.

أيها الإخوة: "ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه"

فأنت إذا أيقنت أن الله قريب منك، وأنه معك، وأنه مطلع على سريرتك، وأنه يسمع دعاءك، ويرى حركتك، ويعلم ما في قلبك، لابد من أن تستقيم على أمره، ولابد من أن تستحي منه.

استحيوا من الله حق الحياء، قيل يا رسول الله وما حق الحياء؟ قال: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، فإن فعلت ذلك فقد استحييت من الله حق الحياء.

إذًا: الموضوع أن تشعر أنه معك، ومرتبة الإحسان، وهذه في النصوص الصحيحة تأتي فوق مرتبة الإيمان، هناك مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان... مرتبة الإسلام أن تخضع للواحد الديان، أن تخضع جوارحك لمنهجه، أن تؤدي زكاة مالك، أن تصلي الفرائض، أن تدفع الزكاة، أن تحج البيت، أن تغض البصر، أن تكون صادقًا، أمينًا، عفيفًا، منجزًا للوعد، راعيًا للعهد، هذا هو الإسلام.

(قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)(الحجرات: الآية14)

فالإسلام أولًا، مرتبة الإسلام خضوع الجوارح والأعضاء لمنهج الله ـ عز وجل ـ، أما الإيمان فأن ينعقد مع هذا الخضوع صلة بالله ـ عز وجل ـ، فتقبل عليه، لذلك الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالإقبال على الله، وينقص بفتور العلاقة معه.

الآن ما معنى اسم القريب على التفصيل؟

أول معنى هناك القرب المكاني، القريب عكس البعيد، القريب ليس بينك وبينه حجاب، البعيد بكل معاني الكلمة، هناك قرب المكان، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(التوبة: من الآية28)

ومن معاني القريب قرب الزمان. (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ)(الانبياء: من الآية109)

إما قرب مكاني، وإما قرب زماني.

ومن معانيه القريب في النسب: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)(النساء: من الآية7)

فيه عندنا قرب نسب، وبالمناسبة هناك قاعدة فقهية [الأقربون أولى بالمعروف]، من أدق هذه القواعد: القرب النَسَبي، والقرب إلى الفقر، والقرب إلى الإيمان، عندك ثلاثة موازين في دفع صدقتك أو زكاتك، إما أنه أفقر، أو أنه أقرب إلى الإيمان، أو أنه أقرب إليك نسبًا.

إذًا: (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ)

ومن معاني القرب قرب الحظوة. أحيانا يكون الإنسان قريبا من إنسان يحتل مركزا مرموقا، وله إنسان قريب جدًا منه، بإمكانه أن يدخل عليه بلا استئذان، بإمكانه أن يبوح له بكل شيء، هذا قربُ حظوة، فيه عندنا قرب مكان، وقرب زمان، وقرب حظوة، هذا المعنى في قوله تعالى:

(فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) (الواقعة:89)

 كيف هو قريب؟ قال: هو قريب من خلقه كما شاء، وكيف شاء، هو القريب من فوق عرشه، أقرب إلى عباده من حبل الوريد، كما قال تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(قّ: من الآية16)

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ) (الواقعة:85)

(فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ(83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) (الواقعة:84)

 إنسان حضرته الوفاة، أقرباءه، زوجته، أولاده، إخوته حوله، قريبون منه، يضعون يدهم على جبينه، وهذا على يده يقيس ضغطه، كل هذا القرب قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ)

لذلك حينما تصل إلى أن تؤمن أن الله معك دائمًا، تكون قد قطعت تسعة أعشار الطريق إلى الله، والإحساس بقرب الله ـ عز وجل ـ أكبر باعث على طاعته، وأكبر باعث على الخشية منه، والإنسان حينما يرى أن الله معه يُقبل عليه.. "يا موسى أتحب أن أكون جليسك قال: كيف ذلك يا رب؟ أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني".

لذلك القرب من الله قمة التدين، قمة الإيمان أن تكون قريبًا من الله، القرب من الله يعني الانضباط، القرب من الله يعني الشعور بالأمن، القرب من الله يعني الشعور بالسكينة، القرب من الله يعني الشعور بالسعادة، الشعور بالرضا، هذه المعاني دقيقة جدًا لذلك القرب من الله يعني الشعور بالأمن.

 سيدنا يونس وجد نفسه فجأة في بطن حوت، بمقاييس الأرض الأمل صفر، النجاة صفر، بطن الحوت، يقف المرء في فمه قائمًا، وجبته المعتدلة أربعة أطنان، الإنسان كله خمسين كيلو، والحوت وجبته المعتدلة بين وجبتين أربعة أطنان، نبي كريم يجد نفسه في بطن حوت، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت، العلماء يقولون: تحت 200 متر ظلام دامس، إذا أخرج يده لم يكد يراها، فهو في ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر.

(فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(الانبياء: الآية87)

لأنه يحس أن الله معه (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء:88)

أروع ما في الآية أن التعقيب نقلها من قصة وقعت إلى قانون مستمر، قال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ).. لذلك المؤمن سلاحه الدعاء، إحساسه أن الله قريب منه، وأن الدعاء أقوى ما يميزه عن غير المؤمن، والدعاء له قوة لا يملكها خصمه.

أيها الإخوة الكرام، من ثمرات اسم [القريب] أنه ينصرك، فلا تخشى بالله لومة لائم.

حينما أدى الحسن البصري واجب العلماء في التبيين، وبيّن، وسمع الحجاج مقالة الحسن البصري، وغضب غضبًا شديدًا، وتوعده بالقتل، وقال لمن حوله: "يا جبناء والله لأروينّكم من دمه، وأمر بقتله، وجاء بالسياف، وأرسل في طلبه، دخل الحسن البصري إلى مجلس الحجاج، فإذا بالسياف جاهز، وإذا بالنطع قد مد، فحرك شفتيه، لأنه يشعر أن الله قريب منه، فحرك شفتيه، وإذا بالحجاج يختلف أمره، يقف له، ويقول: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، شيء غير متوقع، ومازال يدنيه من مجلسه حتى أجلسه على سريره، وسأله في بعض القضايا، واستفتاه، وضيَفَه، وعطره، وشيعه إلى باب القصر، الذي صُعق هو السياف والذي صُعق هو الحاجب، فتبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فماذا قلت بربك؟ قال: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ بردًا وسلامًا كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم".

أنت حينما تشعر أن الله قريب منك تدعوه في أي وقت، وفي أي مكان، وفي أطباق السماء وأنت راكب الطائرة، وفي أعماق البحار وأنت في غواصة، وعلى سطح الأرض، وعلى أي مكان في الأرض، وفي أي حال.

لذلك الشعور بالقرب من الله شعور مُسعِد، الشعور القرب من الله شعور مطمئن، الشعور بالقرب من الله شعور السكينة التي تسعد بها، ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.

والحمد لله رب العالمين.

http://alresalah.ws/programs2/index.jsp?inc=36&id=1768&lang=ar&cat=49&type=1



أضف تعليقا